عن العقد الضمني بين حزب الله وبيئته
يحكم العلاقة بين أي تنظيم سياسي وقاعدته نوع من العقد الضمني، يتشكل من خلال الخطاب والممارسة، ويحدد ما يتوقعه الناس مقابل ما يقدمونه من دعم وتضحيات. هذا العقد موجود سواء كان التنظيم يعتمد على أدوات سلمية أم عنفية في عمله السياسي.
في حالة حزب الله وبيئته في لبنان، لم يكن هذا العقد غامضاً أو مفتوحاً على كل الاحتمالات. جوهره كان واضحاً في الخطابات والطروحات السياسية للحزب: حماية الجنوب ولبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، ومنع تكرار مشاهد القتل والتهجير والاحتلال. على هذا الأساس تحديداً، مُنح الحزب شرعيته، وعلى هذا الأساس التفّت حوله بيئته وقدّمت أثماناً باهظة.
اليوم، في ظل ما يحدث من قتل ودمار وتهجير لهذه البيئة منذ حرب الاسناد، لا يمكن توصيف الواقع إلا كفشل في تحقيق هذا الهدف. ليس لأن التحديات بسيطة أو لأن العدو ضعيف، بل لأن النتيجة الفعلية تناقض جوهر ما قام عليه هذا العقد. رغم ذلك يحاول جزء من حزب الله اليوم التنصل من اي التزام مفترض بأن يمنع النكبة، ويقول بطريقة لطيفة لمن كانوا يتوقعون ذلك بأنهم أغبياء: فكيف يتوقعون ذلك في ظل التفوق العسكري لاسرائيل؟ القول إن هذه النتائج “طبيعية” أو “متوقعة” بفعل التفوق العسكري الإسرائيلي ليس سوى محاولة للتخفيف من حقيقة الإخفاق. فالتفوق لم يظهر فجأة، بل كان قائماً منذ البداية، وبلحاظه بُنيت الاستراتيجية السياسية للحزب واتخذت سلسلة من القرارات الى ان وصلنا الى واقعنا الحالي. لا يمكن بعد وقوع الكارثة إعادة تعريف الالتزام ليصبح “ممارسة المقاومة” كهدف بحد ذاته وبمعزل عن نتائجها، لا كأداة لتحقيق الهدف.
من العبث القول إن النكبة كانت ضمن توقعات أهل الجنوب، أو أنهم ارتضوا العيش في دورة مفتوحة من الموت والدمار والتشريد. كيف يمكن لمن وضعوا نصب أعينهم تحرير أرضهم من الاحتلال، رغم كل ما قيل لهم عن استحالة ذلك، ونجحوا لأنهم أرادوا العيش في أرضهم بكرامة، أن يُفترض اليوم أنهم قبلوا بحياة قائمة على النكبة الدورية؟ هل يريد أهل الجنوب إدارة دائمة للأزمة؟ أم حلاً نهائياً لها تكون فيه أرضهم ليست محررة فقط، لكنها أيضاً آمنة ومزدهرة وعامرة ومستقرة، لا ساحةً مفتوحةً لدورات متكررة من الخراب.
بالتالي، نحن لسنا أمام سوء تفاهم بين الحزب و بيئته حول التزامات كل منهما، بل أمام إخفاق واضح في تحقيق الهدف الأساسي. وهذا يفرض على البيئة طرح السؤال التالي على نفسها بشكل مباشر: هل ما زلنا متمسكين بهدفنا بأن تتوقف دورة الموت الى الأبد؟ أم هل تغير هدفنا ليصبح تمسكاً بحزب الله نفسه كغاية؟ التمسك بالحزب كما هو، رغم عجزه عن تحقيق الهدف، يعني عمليًا التخلي عن الهدف نفسه. أما التمسك بالهدف، أي إنهاء دورة العنف وتأمين حياة مستقرة، فيعني بالضرورة الضغط لتغيير السياسات من داخل الحزب، أو البحث عن مسارات أخرى قادرة على تحقيقه اذا تعذر الأمر.
المسألة هنا ليست ولاءً لتنظيم، بل التزاماً بهدف. وإذا أصبح التنظيم غير قادر على تحقيق هذا الهدف، أو رافضاً لمراجعات جذرية تتبنى من جديد أهداف البيئة، فإن إعادة النظر في العلاقة معه لا تكون خياراً راديكالياً، بل نتيجة منطقية. حينها، لن يكون حزب الله أول تنظيم سياسي يتعامى عن مواجهة اخفاقه في تنفيذ جانبه من العقد الاجتماعي ويفضل خدمة ذاته فيخبو مع الوقت ليصبح هامشياً، ولن يكون الأخير.
Comments
Post a Comment