Posts

Showing posts from April, 2026

عن العقد الضمني بين حزب الله وبيئته

يحكم العلاقة بين أي تنظيم سياسي وقاعدته نوع من العقد الضمني، يتشكل من خلال الخطاب والممارسة، ويحدد ما يتوقعه الناس مقابل ما يقدمونه من دعم وتضحيات. هذا العقد موجود سواء كان التنظيم يعتمد على أدوات سلمية أم عنفية في عمله السياسي. في حالة حزب الله وبيئته في لبنان، لم يكن هذا العقد غامضاً أو مفتوحاً على كل الاحتمالات. جوهره كان واضحاً في الخطابات والطروحات السياسية للحزب: حماية الجنوب ولبنان من الاعتداءات الإسرائيلية، ومنع تكرار مشاهد القتل والتهجير والاحتلال. على هذا الأساس تحديداً، مُنح الحزب شرعيته، وعلى هذا الأساس التفّت حوله بيئته وقدّمت أثماناً باهظة. اليوم، في ظل ما يحدث من قتل ودمار وتهجير لهذه البيئة منذ حرب الاسناد، لا يمكن توصيف الواقع إلا كفشل في تحقيق هذا الهدف. ليس لأن التحديات بسيطة أو لأن العدو ضعيف، بل لأن النتيجة الفعلية تناقض جوهر ما قام عليه هذا العقد. رغم ذلك يحاول جزء من حزب الله اليوم التنصل من اي التزام مفترض بأن يمنع النكبة، ويقول بطريقة لطيفة لمن كانوا يتوقعون ذلك بأنهم أغبياء: فكيف يتوقعون ذلك في ظل التفوق العسكري لاسرائيل؟ القول إن هذه النتائج “طبيعية” أو “متوق...

جنوب لبنان: منطقة استراتيجية أم حياة؟

جنوب لبنان ليس مجرد بقعة استراتيجية على الخارطة. هو قرى ومزارع وعائلات وتاريخ. هو أشجار زيتون احتاجت أجيالاً كي تعصر زيتاً بكراً، وبيوتٌ نمت غرفةً بعد غرفة كلما كبرت العائلة، وطرقات لا تعبرها العربات فقط، بل تعبرها الذكريات أيضاً. ذكريات الأفراح والأتراح، التهجير والعودة، والحياة الرتيبة التي تكافح من أجل أن تبقى رتيبة بين جولات الاضطراب. حين يتحدث صانعو السياسات والمحللون عن “مناطق عازلة” و“قواعد اشتباك” كتلك التي أعقبت تفاهم نيسان عام ١٩٩٦، فهم يحاولون تنظيم الفوضى وجعلها قابلة للإدارة. وقد تنجح هذه الأطر أحياناً في خفض حدّة العنف المباشر، لكنها في الوقت نفسه تفعل شيئاً أخطر: تُجرّد الأماكن الحيّة من معناها، وتحوّلها إلى مساحات قابلة للحساب. يصبح معيار “الاستقرار” هو قدرة هذه الأطر على احتواء التصعيد مؤقتاً، لا قدرة الناس على العيش فيها بهدوء وازدهار مستدامين. وهنا تكمن المفارقة القاسية: ما يبدو من بعيد كخفضٍ للتصعيد، يعلق حياة الناس على حبل الانتظار. كأن الجنوب ليس مكاناً حي وناسه أحياء، بل مجرد مساحة يجب إدارتها. ليس وطناً، بل ملفاً. تسعى إسرائيل وراء أمنها بالقوة. وتسعى إيران إلى ...

مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة

يواجه لبنان اليوم معضلة استراتيجية تتجاوز مسألة الشكل الذي يجب أن تُدار به المفاوضات مع العدو الإسرائيلي. فالجدل حول أن تكون المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة هو في جوهره صراع على السيادة، وعلى مصادر القوة، وعلى شكل النظام السياسي والأمني في البلاد. وفي قلب هذا الجدل سؤال ملحّ: أي مسار هو الأرجح أن يؤدي إلى تحرير الجنوب، وعودة السكان، وبدء إعادة الإعمار؟ من جهة، تسعى الدولة اللبنانية إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل . هذا الخيار يركّز على استعادة السيادة، وتثبيت الدولة كمرجعية وحيدة لقرارات الحرب والسلم، وفصل الملف اللبناني عن التوازنات الإقليمية، خصوصاً تلك المرتبطة بـ إيران والولايات المتحدة .  من جهة أخرى، يدعو حزب الله وحلفاؤه إلى إبقاء المفاوضات غير مباشرة، وضمن إطار إقليمي أوسع . منطقهم يقوم على أن لبنان وحده لا يملك أوراق ضغط كافية، وأن ربط الساحة اللبنانية بملفات إقليمية أكبر يمنحها وزناً تفاوضياً أعلى .  كلا المسارين يحمل منطقاً متماسكاً ، لكن كلاً منهما يفرض فرصاً وأكلافاً واضحة...