كيف نردع اسرائيل؟

ليس سرّاً أنّه اليوم، كما قبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، لا يمتلك حزب الله القدرة على التصدّي للطائرات الإسرائيلية ومنعها من قتل الجنوبيين وقصف بيوتهم. كما أنّه غير قادر على منع الجيش الإسرائيلي من التوغّل برّاً واحتلال أجزاء من جنوب لبنان، وتفجير منازله وتهجير سكّانه. في المقابل، يمتلك الحزب مقاتلين شجعاناً مستعدين للتضحية، قادرين على القتال بشراسة ولفترات طويلة لاستنزاف العدو وجعل بقائه في الأراضي التي يحتلها مكلفًا. كما يمتلك صواريخ وطائرات مسيّرة تمكّنه من تهديد أمن إسرائيل، مع الإشارة إلى الفارق الكبير في القدرة التدميرية بين الطرفين، خصوصاً في ظل وجود أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية.

السؤال الأساسي هو: كيف يمكن ردع العدو بحيث لا تقصفنا طائراته ولا يجتاح أرضنا ويحتلها ويهجّر سكانها؟ يرى البعض ضرورة امتلاك سلاح يردع إسرائيل عن القيام بكل ذلك، بينما يعتبر آخرون أن هذا الهدف مستحيل، وأن أفضل ما يمكن تحقيقه هو المقاومة بعد وقوع العدوان، وهو بالضبط الدور الذي يؤديه حزب الله.

المفارقة أنّ حزب الله نجح فعلياً في ردع العدو الإسرائيلي طوال الفترة الممتدة منذ حرب تموز ٢٠٠٦ حتى الثامن من اكتوبر من عام ٢٠٢٣. طيلة تلك الفترة لم يقصف العدو الجنوب بطيرانه أو مدفعيته، ولم يدمّر منزلاً، ولم يحتل شبراً، ولم يهجّر أيّاً من سكانهز فهل من دروس مستفادة من تلك المرحلة قد تساعدنا اليوم في ردع إسرائيل؟

للإجابة عن سؤال كيف تمكّن حزب الله من منع إسرائيل من قصف واحتلال الجنوب رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية، يفيد مفهوم الردع بأنّه يكفي أن يكون واضحاً للعدو أنّ الطرف الآخر قادر على إلحاق خسائر جسيمة به، كي يمتنع عن استخدام قوته، حتى لو كانت غير متكافئة.

وعليه، يصبح السؤال: ما الذي كانت تخشاه إسرائيل طوال تلك السنوات، ودفعها إلى الامتناع عن الاعتداء على الجنوب؟ قد يكون “سلاح الحزب” جوابًا بديهياً، لكنه عام، ولا يحدّد طبيعة العواقب التي خشيتها. فهل كان الخوف من حجم الدمار المتوقع؟ أم من عدم القدرة على حماية مراكز حيوية من الصواريخ؟ أم من احتمال تعرّض حدودها لاجتياح معاكس نحو الجليل؟

قد يختلف البعض مع هذا التقييم، لكن لا تبدو الخشية الإسرائيلية عسكرية بحتة؛ فـ"القبة الحديدية"، التي دخلت الخدمة عام ٢٠١١، أُنشئت للتعامل مع تهديد الصواريخ والحد من فعاليتها. بمعنى آخر، الصواريخ ليست سلاحاً تعجز إسرائيل تماماً عن مواجهته، كما هو حال الحزب مع سلاح الجو الإسرائيلي. ولا ينفي ذلك أنّ الصواريخ تشكّل تهديداً، لكنه من الناحية العسكرية وحدها لا يبدو كافياً لتشكيل رادع حاسم، كما أظهرت الأحداث بعد "طوفان الأقصى"، حيث لم تمنع هذه القدرات إسرائيل من التصعيد.

ما سبق يوحي بأنّ أساس الخشية الإسرائيلية قد لا يكون عسكرياً فقط، بل أمنيًا واجتماعياً أيضاً؛ إذ تسعى إسرائيل إلى ضمان أمن سكانها من أي تهديد، مهما كان محدوداً. ويدعم ذلك طبيعة اقتصادها القائم على التكنولوجيا والمال، والذي يتطلب مستوى عالياً من الاستقرار الأمني للحفاظ على النمو وثقة المستثمرين، شأنها في ذلك شأن دول صغيرة أخرى تعتمد على الاستقرار كشرط أساسي لازدهارها.

من هذه الزاوية، يمكن الاستنتاج أنّ حزب الله نجح في ردع إسرائيل لا عبر ضخامة قدراته العسكرية، بل من خلال قدرته على منع انطلاق أي عمل عسكري ضدها من جنوب لبنان، نتيجة فرضه سيطرة شبه كاملة على المنطقة الحدودية، وهو ما لم تستطع الدولة اللبنانية تحقيقه منذ هدنة عام 1949. بمعنى آخر، كان امتلاك الحزب لقرار الحرب والسلم، واختياره عدم التصعيد، العامل الأساسي في تحقيق الردع.

ويعود ذلك إلى طبيعة الحدود وقرب المستوطنات، ما يجعل منع أي عمل عسكري أمراً بالغ الصعوبة. إذ يمكن لفرد واحد إطلاق مقذوف بدائي من منزله ليصل إلى مستوطنة حدودية، مخلّفاً أثراً سياسياً واقتصادياً كبيراً، حتى وإن كان الضرر المادي محدوداً. ومن هنا، لا يبدو مبالغة القول إنّ حزب الله ما كان ليتمكن من تحقيق هذا المستوى من الردع طوال 18 عاماً، لولا الالتفاف الشعبي حوله في الجنوب، و تسليمه قرار الحرب والسلم، إضافة إلى جهوده الأمنية في منع محاولات فردية أو جماعية للقيام بعمليات غير منضبطة.

السؤال البديهي هو: إذا كان هذا ما يردع إسرائيل حقاً، فلماذا لا يمكن العودة إليه اليوم؟ خصوصاً أنّ حزب الله، بعد الضربات التي تلقاها منذ أكتوبر ٢٠٢٣، لا يمانع العودة إلى سياسة ضبط النفس التي التزم بها منذ ٢٠٠٦. وقد صرّح أمينه العام، الشيخ نعيم قاسم، بوضوح أنّه لا خطر على مستوطني الشمال. ثمة معضلتين أساسيتين تحولان دون ذلك: الأولى تتعلق بتغيّر واضح في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي بعد "طوفان الأقصى"، حيث باتت إسرائيل ترفض وجود تنظيمات مسلحة غير رسمية على حدودها ولديها أي قدرة على تهديد أمنها، حتى لو أعلنت عدم نيتها فعل ذلك. لذلك تريد اسرائيل انهاء هذه الحالات عبر التصعيد العسكري المستمر وان على حساب موقعها الدبلوماسي. أما الثانية، فتتعلق بخرق الحزب للهدنة القائمة منذ 18 عاماً، عبر فتح جبهة دعم لغزة، ما يجعل العودة إلى الوضع السابق أمراً صعب التسويق سياسياً وأمنياً في الداخل الاسرائيلي. هاتان المعضلتان تفسّران إصرار إسرائيل على تنزع الدولة اللبنانية سلاح حزب الله لتحل محله من خلال الجيش اللبناني لتصبح الجهة الوحيدة المخوّلة بقرار الحرب والسلم.

في الخلاصة، يبدو أنّ العامل الحاسم في ردع إسرائيل هو احتكار جهة واحدة لقرار الحرب والسلم، واختيارها الالتزام بالتهدئة. سواء كانت هذه الجهة حزب الله، أو الدولة اللبنانية، أو قوة دولية، فإنّ القدرة على ضبط الحدود ومنع أي عمل عسكري غير منضبط، بالتعاون مع المجتمع المحلي، هي الأساس في تحقيق الردع وليس ترسانة عسكرية متطورة و ضخمة. وفي ظل الرفض الإسرائيلي أن يعود حزب الله ليلعب هذا الدور، يجب أن ينظر الى سعي الدولة اللبنانية لبسط سلطتها على كامل أراضيها واحتكار قرار الحرب والسلم، بما يشمل السيطرة على السلاح، على أنّه محاولة لاعادة الردع الى سابق عهده، ولكن عبر مؤسسات الدولة هذه المرة.

يبرز هنا سؤال جوهري:هل الهدف هو أن يرتدع العدو؟ أم أن يردعه حزب الله بالتحديد ولا أحد سواه؟ اذا كان الجواب هو أن يرتدع العدو، فبرأيي هنالك طريق واضح و يؤدي الى ذلك من خلال الدولة و مؤسساتها بدعم من المجتمع الجنوبي. أما اذا كان التمسك بأن يردعها الحزب بالتحديد، فليس هنالك أي شيء يمكن للدولة أو اي طرف داخلي فعله سوى انتظار نتيجة الاتفاق الايراني الأمريكي عل يفضي الى قبول اسرائيل بالعودة الى ما قبل طوفان الأقصى وعودة الحزب ليكون صاحب قرار الحرب و السلم على الجانب اللبناني. 


Comments

Popular posts from this blog

مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة

جنوب لبنان: منطقة استراتيجية أم حياة؟