مستقبل السلاح ومستقبل الشيعة في لبنان

غالباً ما يُحصر النقاش حول أسلحة حزب الله في إطار عسكري ضيق للغاية. في السنوات منذ حرب الاسناد، خلص كثيرون إلى أن هذه الأسلحة لا توفر الحماية، بل أنها أصبحت عبئاً. فقد عانت أجزاء واسعة من الجنوب دماراً هائلاً، ونزح العديد من السكان، وتكبدت الطائفة الشيعية خسائر فادحة. وبالنظر إلى الأمر من منظور عسكري بحت، يُفهم سبب اعتقاد بعض المراقبين بحتمية انهيار الدعم لسلاح حزب الله ضمن بيئته.

إلا أن هذا المنظور يغفل حقيقة أعمق. فمسألة أسلحة حزب الله لم تكن يوماً مسألة عسكرية فحسب، بل هي أيضاً مسألة تتعلق بمكانة الطائفة الشيعية في النظام السياسي اللبناني. ونتيجة لذلك، حتى وإن شكك كثير من اللبنانيين الشيعة في استراتيجية حزب الله العسكرية، أو اعتقدوا أن هذه الأسلحة لم تعد توفر حماية فعالة، فقد يظلون مترددين في دعم نزع السلاح الفوري. قد لا ينبع التردد من التعلق بالأسلحة نفسها بقدر ما ينبع من القلق بشأن عواقب فقدان ما أصبحت هذه الأسلحة تمثله.

لعقود، لم تكن القوة العسكرية لحزب الله مجرد رصيد أمني، بل أصبحت إحدى الركائز التي يقوم عليها نظام سياسي واجتماعي أوسع. منحت الأسلحة حزب الله نفوذاً يتجاوز ما يمكن تحقيقه من خلال السياسة والانتخابات وحدها، ووفرت له قوة ضغط في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، وصنع القرار الوطني، والترتيبات الأمنية، وعلاقة لبنان بالجهات الفاعلة الإقليمية. وسواء نظرنا إلى هذا الوضع بإيجابية أم سلبية، فمن الصعب إنكار أن القدرات العسكرية لحزب الله قد غيرت بشكل جذري موازين القوى الداخلية في لبنان.

ونتيجة لذلك، اكتسبت الأسلحة أهمية تجاوزت وظيفتها العسكرية بكثير، إذ ارتبطت بصعود الطائفة الشيعية من موقع اعتبره كثيرون منهم مهمشاً تاريخياً إلى موقع محوري في السياسة اللبنانية. بالنسبة للعديد من المؤيدين، رمزت الأسلحة إلى أكثر من مجرد ردع لإسرائيل، فقد رمزت إلى الكرامة والاعتراف ونهاية حقبة شعرت فيها الطائفة بالتجاهل أو التبعية داخل التسلسل الهرمي السياسي للبلاد.

لهذا السبب، لا يمكن اختزال المسألة إلى مجرد حسابات بسيطة للجدوى العسكرية. قد يعتقد المرء حقاً أن قرارات حزب الله منذ الثامن من اكتوبر 2023 كارثية وأن الحرب التي أعقبت ألحقت دماراً هائلاً بالجنوب. وقد يشك في قدرة الأسلحة على حماية قراه من الاعتداءات الاسرائيلية. ​​ومع ذلك، قد يظل هذا الشخص نفسه قلقاً بشأن ما سيحدث إذا اختفت الأسلحة تماماً. لا يكمن القلق بالضرورة في احتمال غزو إسرائيل في اليوم التالي، بل في النظام السياسي الذي سينشأ بعد ذلك، والمكانة التي سيحتلها المجتمع الشيعي فيه.

بهذا المعنى، يشبه النقاش مشكلة انتقالية. فقد ساهمت الأسلحة في خلق توزيع معين للسلطة داخل لبنان. وإذا كان هذا التوزيع يتغير الآن، يصبح السؤال المحوري هو: ما الذي سيحل محله؟ نادراً ما تتخلى المجتمعات عن مصادر نفوذها دون طلب ضمانات بشأن المستقبل. وبالتالي، تصبح المسألة أقل تركيزاً على نزع السلاح في حد ذاته، وأكثر تركيزاً على الشروط التي يتم بموجبها نزع السلاح.

من هذا المنظور، قد يُفهم موقف شخصيات مثل نبيه بري بشكل مختلف عما هو شائع في الخطاب العام. من الممكن أن يُدرك بعض القادة السياسيين، في قرارة أنفسهم، أن الحفاظ على الوضع العسكري لحزب الله بشكله الحالي بات صعباً على نحو متزايد. إلا أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني قبول أي انتقال للسلطة بأي حال من الأحوال. بل قد ينصبّ تركيزهم على إدارة تبعات هذا الانتقال وضمان عدم تراجع نفوذ الحزب بشكل حاد.

ويمكن التعبير عن هذا المنطق على النحو التالي: إذا ما فقد حزب الله النفوذ المرتبط بقدراته العسكرية، فما هي الآليات التعويضية المتاحة؟ هل سيزداد استثمار الدولة في الجنوب؟ هل ستُضمن إعادة الإعمار؟ هل سيُحافظ على الثقل السياسي الذي تراكم على مدى عقود؟ هل ستُثبت مؤسسات الدولة اللبنانية قدرتها على حماية مصالح المجتمع؟ تكتسب هذه الأسئلة أهمية محورية لأن النقاش يدور أساساً حول توزيع السلطة بعد امتلاك السلاح، وليس حول السلاح نفسه فحسب.

ثمة بُعدٌ آخر بالغ الأهمية، وهو البُعد النفسي لا المادي. فالمجتمعات السياسية لا تقيس مكانتها بالميزانيات أو المقاعد البرلمانية أو المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل تهتم أيضاً بالوضع الاجتماعي. وقد منح صعود حزب الله الكثير من اللبنانيين الشيعة شعوراً بأن مجتمعهم أصبح فاعلاً مؤثراً في الشؤون الوطنية والإقليمية. إذ عكست المنظمة قوةً وثقةً ونفوذاً. وسواء كان هذا الشعور مُبرراً أم لا، فقد أصبح جزءاً من الهوية السياسية للمجتمع.

لذا، فإن احتمال نزع السلاح يثير تساؤلات ذات طابع رمزي جزئياً. فإذا ما ضعفت الحركة التي جسّدت هذا الشعور بالقوة، فماذا يعني ذلك بالنسبة لصورة المجتمع الذاتية؟ حتى أولئك الذين ينتقدون بشدة قرارات حزب الله الأخيرة قد يشعرون بالقلق إزاء انتقال يبدو أنه لا ينطوي على تراجع عسكري فحسب، بل على تراجع سياسي ورمزي أيضاً. غالباً ما تقاوم المجتمعات التغييرات التي تربطها بالإذلال أو فقدان المكانة، حتى عندما تُقرّ بفشل المسار السابق.

في الوقت نفسه، من المهم التمييز بين مصالح المواطنين العاديين ومصالح النخب السياسية. قد تُعطي عائلة نازحة في جنوب لبنان الأولوية للأمن وإعادة الإعمار والفرص الاقتصادية والعودة إلى الحياة الطبيعية. إلا أن على القادة السياسيين التفكير أيضاً في النفوذ المؤسسي وشبكات المحسوبية والقوة الانتخابية ومكانتهم داخل النظام الطائفي اللبناني. ولا تتوافق هذه الاعتبارات دائماً بشكل كامل. وبالتالي، فإن استمرار دعم حزب الله للحفاظ على موقعه السياسي قد يعكس حسابات النخب الساعية إلى الحفاظ على نفوذها، بقدر ما يعكس تعلق القاعدة الشعبية بالمشروع المسلح نفسه.

لا يعني هذا أن الدعم لأسلحة حزب الله لم يتغير. بل يمكن القول أن التحول الأكبر منذ أكتوبر 2023 هو التزايد في الشكوك حول ما إذا كانت الأسلحة لا تزال تخدم الغرض الذي كانت تخدمه سابقاً. ويكمن التحدي في إدراك أن هذا لا يُفضي تلقائياً إلى إجماع حول نزع السلاح. فقد يفقد الناس ثقتهم بالأسلحة، وفي الوقت نفسه يخشون عواقب فقدانها.

هذا التمييز جوهري. فالخيار الذي يواجه العديد من اللبنانيين الشيعة قد لا يُنظر إليه على أنه خيار بين السلاح أو عدمه. بدلاً من ذلك، قد يُنظر إلى الأمر على أنه خيار بين مستقبل غامض ذي نفوذ متضائل، ومستقبل غامض مماثل يُحافظ فيه على النظام القائم رغم إخفاقاته. لذا، قد لا تعكس مقاومة نزع السلاح في المقام الأول ثقةً في استراتيجية حزب الله العسكرية، بل قد تعكس حالةً من عدم اليقين بشأن ما سيحدث لاحقاً.

في نهاية المطاف، ليس السؤال السياسي الأهم هو إمكانية نزع سلاح حزب الله. فالتاريخ يُظهر أن الحركات المسلحة يُمكن إضعافها، أو تحويلها، أو دمجها، أو حلّها. السؤال الأصعب هو: ما التسوية السياسية التي ستحل محل النظام الذي ساهمت الأسلحة في دعمه؟ إذا ظهر جوابٌ موثوق - جوابٌ يُوفر الأمن، وإعادة الإعمار، والتمثيل، والكرامة - يصبح نزع السلاح أسهل تصوراً. أما إذا لم يوجد مثل هذا الجواب، فقد يستمر حتى من فقدوا ثقتهم في المشروع العسكري في مقاومة زواله.

بهذا المعنى، فإن مستقبل أسلحة حزب الله لا ينفصل عن مكانة الطائفة الشيعية في لبنان. فالنقاش لا يقتصر على السلاح فحسب، بل يتناول السلطة، والمكانة، والهوية، والشروط التي ستُحدد دخول طائفة رئيسية إلى الفصل التالي من التاريخ اللبناني.

Comments

Popular posts from this blog

مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة

جنوب لبنان: منطقة استراتيجية أم حياة؟

كيف نردع اسرائيل؟