مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة
يواجه لبنان اليوم معضلة استراتيجية تتجاوز مسألة الشكل الذي يجب أن تُدار به المفاوضات مع العدو الإسرائيلي. فالجدل حول أن تكون المفاوضات مباشرة أو غير مباشرة هو في جوهره صراع على السيادة، وعلى مصادر القوة، وعلى شكل النظام السياسي والأمني في البلاد. وفي قلب هذا الجدل سؤال ملحّ: أي مسار هو الأرجح أن يؤدي إلى تحرير الجنوب، وعودة السكان، وبدء إعادة الإعمار؟
من جهة، تسعى الدولة اللبنانية إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذا الخيار يركّز على استعادة السيادة، وتثبيت الدولة كمرجعية وحيدة لقرارات الحرب والسلم، وفصل الملف اللبناني عن التوازنات الإقليمية، خصوصاً تلك المرتبطة بـ إيران والولايات المتحدة. من جهة أخرى، يدعو حزب الله وحلفاؤه إلى إبقاء المفاوضات غير مباشرة، وضمن إطار إقليمي أوسع. منطقهم يقوم على أن لبنان وحده لا يملك أوراق ضغط كافية، وأن ربط الساحة اللبنانية بملفات إقليمية أكبر يمنحها وزناً تفاوضياً أعلى. كلا المسارين يحمل منطقاً متماسكاً ، لكن كلاً منهما يفرض فرصاً وأكلافاً واضحة:
أولاً: النفوذ مقابل السيادة
المسار الغير مباشر والمرتبط بالإطار الإقليمي يمنح لبنان قوة تفاوضية أكبر من خلال ربطه بصراع أوسع تمتلك فيه إيران نفوذاً و قوة تفاوض لا تمكلها الدولة. في هذا الاطار، يصبح لبنان جزءاً من حزمة تفاوض أوسع مما قد يزيد الضغط على اسرائيل. لكن في هذا المسار مخاطرة على حساب استقلال القرار اللبناني، إذ قد يصبح لبنان ملفاً ثانوياً في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وتصبح قرارات التهدئة و التصعيد مرتبطة بأولويات إقليمية لا بحاجات محلية.
في المقابل، تضحّي الدولة في المسار الذي تقوده بالقوة العسكرية الضاغطة للحزب وايران، مقابل السيطرة على المسار التفاوضي نفسه بدل التفرج السلبي. عبر المفاوضات المباشرة، تتموضع الدولة كلاعب مستقل، لكن محدود السلطة القسرية والقدرة على ممارسة العنف. الرهان هنا هو أن السيادة و الشرعية والدعم الدولي بامكانها التعويض عن الضعف العسكري.
ثانياً: الضغط العسكري مقابل الاستقرار الدبلوماسي
يستند نموذج حزب الله الى أن الضغط العسكري المستمر يشكل مصدر قوة تفاوضية. يعكس ذلك قناعة راسخة لديه بأن إسرائيل لا تقدم أي تنازلات إلا أمام القوة، وهو تصور تشكّل عبر معارك و انسحابات سابقة. لكن هذا النوع من الضغط يحمل بطبيعته مخاطر كبيرة، اذ يرفع من احتمالية التصعيد، ويطيل أمد انعدام الاستقرار ويجلب تدميراً واسعاً يتأثر به الجنوبيون بشكل شديد اللاتوازن.
في المقابل، يبدّي مسار الدولة القنوات الدبلوماسية والاتفاقات الرسمية. وفي حين أن هذا المسار قد يخفف خطر التصعيد الوشيك، لكنه يطرح إشكالية التفاوض من موقع ضعف، خصوصاً وأن اسرائيل لا تزال تحتل أراض واسعة و تعمل على تدميرها.
ثالثاً: الحل السريع مقابل الرهان الطويل
المسار الغير المباشر والمرتبط بالإقليم قد يؤخر الحل، لأنه مرتبط بمفاوضات أوسع وأبطأ وأصعب للتنبىء بنتائجها، يصبح لبنان فيها مرتبطاً بنتائج في مكان اخر.
أما المفاوضات المباشرة، حتى وان كانت مرتكزة الى قوة أقل، فقد تتيح طريقاً محلياً لخفض التصعيد والتركيز على الوصول الى اتفاقيات أمنية تقضي بانسحاب العدو، عودة السكان و بدء اعادة الاعمار دون الحاجة لانتظار اتفاق اقليمي.
رابعاً: المصالح المؤسسية
من الجدير بالذكر أيضاً أن المسارين ليسا محايدين، بل كل مسار يخدم بطريقة مباشرة الطرف الذي يدفع من أجله. فحزب الله يريد من خلال هذا المسار المحافظة على دوره العسكري والسياسي، وعلى ارتباطه الاستراتيجي بإيران و تجنب سيناريوهات قد تؤدي الى تحجيم دوره أو سلاحه. في المقابل تسعى الدولة الرسمية من خلال الذهاب الى مفاوضات مباشرة إلى استعادة دورها وسلطتها على الأمن الوطني اللبناني وتقليص نفوذ الفاعلين غير الرسميين.
كل يريد أن يمسك ملف أمن الحدود، و يحتدم الصراع الان كنتيجة طبيعية للاضعاف التدريجي للحزب نسبة للمؤسسات اللبنانية الرسمية منذ حرب الاسناد. قبلها، لم يكن وارداً أن تسعى الدولة للتفكير باستعادة ملف الأمن الجنوبي من يد حزب الله.
نقطة الضعف الأساسية في المفاوضات المباشرة
التحدي الأكبر أمام الدولة هو مسألة المصداقية، فما الذي يمكن أن تقدمه الدولة مقابل الانسحاب ووقف التصعيد؟ فالدولة ضعيفة عسكرياً، ولا تسيطر على قرار العناصر المسلحة في لبنان، خصوصاً حزب الله. يُشكّل هذا الأمر معضلة في بنية التفاوض، فحتى لو التزمت الحكومة اللبنانية بمنع الأعمال العدائية، قد تشكّك إسرائيل في قدرتها على إنفاذ هذه الالتزامات. ومن وجهة نظر إسرائيل، فإن أي اتفاق لا يتناول الوجود العسكري لحزب الله قد يبدو غير كافٍ. مع ذلك، لا يعني هذا أن الدولة "لا تملك شيئًا" لتقدمه، بل يعني أنها بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النفوذ.
لا يجب أن تعتمد الضمانات الأمنية على القدرات اللبنانية وحدها، بل يمكن للدولة تقديم ترتيبات مدعومة دوليًا بهيكلتها من خلال مشاركة أطراف ثالثة، أو آليات مراقبة، أو تعزيز صلاحيات هيئات مثل الأمم المتحدة. ورغم عدم كمالها، يمكن لهذه الأطر أن تعوض جزئيًا عن القيود الداخلية.
ثم أنه يمكن للدولة تقديم التزامات رسمية ملزمة لا تستطيع القنوات غير المباشرة توفيرها. فحتى الدولة الضعيفة عسكريًا تتمتع حكوماتها المعترف بها بثقل قانوني ودبلوماسي يمكّنها عبر اتفاقيات من أن تحشد ضغطاً دولياً، وتفتح المجال لتمويل إعادة الإعمار، وتخلق آليات للمساءلة تفتقر إليها التفاهمات غير الرسمية. العديد من الدول الأضعف نسبياً حققت نتائج ايجابية لناحية الأمن والتحرير من خلال اتفاقيات رسمية، كما في حالات مثل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية واتفاقية دايتون واتفاق الجمعة العظيمة، حيث حوّل الدعم الدولي الالتزامات إلى حقائق قابلة للتنفيذ. تعمل هذه الاتفاقيات على تحويل الصراع من التوازن العسكري إلى الأطر القانونية والدبلوماسية، غالباً بدعم من جهات فاعلة كالولايات المتحدة أو المؤسسات الدولية. والأهم من ذلك، أنها تُظهر أن نزع السلاح بالكامل ليس شرطاً أساسياً في البداية، إذ يمكن لترتيبات مرحلية موثوقة أن تُحقق الاستقرار ومكاسب ملموسة.
بهذا المعنى، لا تتمثل استراتيجية الدولة في أن تسعى للتفوق عسكرياً على إسرائيل، بل في تغيير إطار المفاوضات: من إطار قائم على القوة وحدها إلى إطار يجمع بين الدبلوماسية والتدويل والاستقرار التدريجي. ومع ذلك، يبقى المسار مقيداً، فبدون مسار موثوق لمعالجة مسألة سلاح الحزب، يصبح أي اتفاق عرضةً للانهيار. وهذه هي نقطة الضعف الأساسية في نموذج التفاوض المباشر.
هل تقبل إسرائيل بتسوية جزئية؟
تُعلن إسرائيل أنها لن تقدم على خطوات حاسمة قبل نزع سلاح حزب الله. لكن هذا الموقف قد يكون، جزئياً، سقفاً تفاوضياً مرتفعاً أكثر منه شرطاً مطلقاً غير قابل للتعديل. فاسرائيل نفسها تواجه بدورها معضلة: فاستمرار الاحتلال والتدمير له تكاليف سياسية وعسكرية وأمنية وسمعية كما أنه يخلق بيئة غير مستقرة على حدودها. و في حين أن أحد السيناريوهات الضمنية هو دفع الدولة اللبنانية لمواجهة حزب الله عسكرياً، لكن هذا يحمل مخاطر كبيرة، ليس فقط على لبنان، بل على إسرائيل أيضاً.
في هذا السياق، قد يكون من الممكن بناء مقاربة وسطية تقوم على خفض فعلي ومستدام للتهديد من خلال ترتيبات ميدانية وآليات مراقبة دولية صارمة والتزام تدريجي بضبط السلاح أو تقليص حضوره في مناطق معينة حتى دون نزع كامل وفوري للسلاح. بالتالي، قد تجد إسرائيل أن وجود دولة لبنانية مستقرة نسبياً وتتصدى لموقع المسؤولية من خلال خلق مسار لحل مسألة سلاح الحزب ولو لم يكتمل بعد أفضل من انهيار شامل أو صراع داخلي، ما قد يفتح المجال أمام قبول ترتيبات مرحلية بدلاً من حلول نهائية فورية.
أي المسارين أقرب لتحقيق النتائج؟
لا يوجد مسار مضمون، فالتفاوض الغير مباشر ضمن اطار التفاوض الاقليمي قد يمنح أوراق قوة أكبر، لكنه يربط مصير الجنوب بحسابات خارجية وقد يؤخر الحل. فيما نهج المفاوضات المباشرة قد يكون أضعف من حيث الضغط، لكنه أكثر قدرة على تحقيق نتائج تدريجية: تهدئة، عودة السكان، وبداية إعادة الإعمار
إذا كان الهدف هو وقف التصعيد سريعاً وتحرير الأرض، وإعادة السكان واطلاق عجلة إعادة الإعمار، فإن المسار الذي تقوده الدولة، رغم ضعفه، يبدو أكثر قابلية لتحقيق نتائج ملموسة على المدى القريب—خصوصاً إذا دُعم بضمانات دولية قوية. أما إذا كان الهدف تعظيم المكاسب التفاوضية فالنهج الإقليمي قد يوفر ذلك، لكن مع كلفة أعلى وزمن أطول.
خاتمة
في عالم مثالي، ينخرط حزب الله في مسار الدولة، فيضع إلى جانب شرعيتها الدولية عنصر القوة الذي يملكه، ويُسهم في توحيد قرار الحرب والسلم تحت مرجعية واحدة. من شأن ذلك أن يعزّز موقع لبنان التفاوضي بشكل كبير، ويمنح أي اتفاق محتمل قدراً أعلى من المصداقية وقابلية التنفيذ. إلا أن هذا الخيار لا يقتصر على ترتيبات أمنية، بل يفترض تحوّلاً أعمق في موقع الحزب ودوره، من فاعل يمتلك استقلالية عسكرية مرتبطة بسياق إقليمي أوسع، إلى طرف سياسي يعمل ضمن قواعد النظام اللبناني ويسعى لتحقيق برامجه السياسية الداخلية والخارجية مهما كانت كبيرة وراديكالية من خلال مؤسسات الدولة وآلياتها.
في المقابل، فإن تراجع الدولة عن مسارها لا يؤدي فقط إلى إزالة القيود أمام استخدام القوة، بل يغيّر طبيعة الصراع نفسه، بحيث يصبح لبنان ساحة أكثر انكشافاً على ديناميات المواجهة الإقليمية. قد يمنح ذلك هامشاً أكبر للحركة على مستوى الضغط العسكري، لكنه يرفع في الوقت نفسه من احتمالات التصعيد وتوسّع رقعته، مع ما يحمله ذلك من كلفة مرتفعة على الاستقرار الداخلي والبنية الاقتصادية والاجتماعية.
بين هذين المسارين، لا يبدو أن هناك صيغة سهلة تجمع بينهما دون تناقض. لذلك، يبقى التحدي الأساسي في تحديد أي منطق يُراد أن يحكم القرار الوطني: منطق ازدواجية القرار مع ما يرافقه في نفس الوقت من مرونة ومخاطر، أم منطق توحيد القرار ضمن الدولة بما يحمله من قيود، لكنه يفتح في المقابل مساراً أكثر قابلية للتحويل إلى استقرار طويل الأمد.
Comments
Post a Comment