جنوب لبنان: منطقة استراتيجية أم حياة؟

جنوب لبنان ليس مجرد بقعة استراتيجية على الخارطة. هو قرى ومزارع وعائلات وتاريخ. هو أشجار زيتون احتاجت أجيالاً كي تعصر زيتاً بكراً، وبيوتٌ نمت غرفةً بعد غرفة كلما كبرت العائلة، وطرقات لا تعبرها العربات فقط، بل تعبرها الذكريات أيضاً. ذكريات الأفراح والأتراح، التهجير والعودة، والحياة الرتيبة التي تكافح من أجل أن تبقى رتيبة بين جولات الاضطراب.

حين يتحدث صانعو السياسات والمحللون عن “مناطق عازلة” و“قواعد اشتباك” كتلك التي أعقبت تفاهم نيسان عام ١٩٩٦، فهم يحاولون تنظيم الفوضى وجعلها قابلة للإدارة. وقد تنجح هذه الأطر أحياناً في خفض حدّة العنف المباشر، لكنها في الوقت نفسه تفعل شيئاً أخطر: تُجرّد الأماكن الحيّة من معناها، وتحوّلها إلى مساحات قابلة للحساب. يصبح معيار “الاستقرار” هو قدرة هذه الأطر على احتواء التصعيد مؤقتاً، لا قدرة الناس على العيش فيها بهدوء وازدهار مستدامين.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: ما يبدو من بعيد كخفضٍ للتصعيد، يعلق حياة الناس على حبل الانتظار. كأن الجنوب ليس مكاناً حي وناسه أحياء، بل مجرد مساحة يجب إدارتها. ليس وطناً، بل ملفاً. تسعى إسرائيل وراء أمنها بالقوة. وتسعى إيران إلى تثبيت نفوذها وبناء الردع عبر حلفائها. أما مصر والسعودية وتركيا، فتنشغل بمنع صعود هيمنة قوة إقليمية واحدة من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة. قد يكون لكلٍ من هذه الأطراف منطقه المتماسك وحساباته ومخاوفه، لكن أياً منها، مهما بدت عقلانية، لا تتمحور حول الحياة اليومية لمزارع في بنت جبيل أو صاحب فرن في ساحة حولا أو أمّ تحاول أن تضمن لأطفالها عاماً دراسياً لا ينقطع. هؤلاء ليسوا متغيرات في معادلة، ولا هامشاً في تحليل.

حين يُختزل المكان إلى "ساحة نزاع"، يبدأ شيء ما بالتآكل. يصبح من السهل، وبشكل يكاد يكون غير واعٍ، تقبّل تدميره المتكرر كجزء من دورة شبه طبيعية. إعادة الإعمار تصبح أمراً متوقعاً، التهجير أمراً قابلاً للتكيّف معه، والصمود، تلك الكلمة التي يخبو نبلها كلما شاعت، يحلّ محل الاستقرار، كأنه قدر لا خيار.

لكن أبناء هذه الأرض لا يختبرونها كجبهة، بل كاستمرارية. فلا يعيدون بناءها لأنها موقع استراتيجي، بل لأنها لهم، ولأنهم لها. لأنها مهما تحوّلت في لغة الآخرين إلى مجرد “منطقة”، تبقى في عيون أهلها حياة كاملة لا تختصر.

اليوم وأنا أرى عيون الأطفال في مجالس العزاء وأماكن النزوح، وأرى حطام القلوب بين الركام، اسأل نفسي وأسألكم: كيف لنا نحن أهل الجنوب ان نجعله، اليوم قبل الغد، مكاناً حصرياً ومستداماً للحياة، لا مكاناً تدار فيه الصراعات؟ وكيف نخرجه من التداول الاقليمي والعالمي بوصفه مسرحاً ليعود رتيباً كما نحبه؟

Comments

Popular posts from this blog

مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة

كيف نردع اسرائيل؟