عن الغضب المضر

 منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، ومع دخول حزب الله فيها، اتخذت الحكومة اللبنانية سلسلة من الإجراءات؛ إذ اعتبرت الجناح العسكري للحزب خارجًا على القانون، وأعلنت السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه وطلبت منه المغادرة. كما دعا الرئيس عون إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، التي ردّت باشتراط نزع سلاح الحزب قبل أي تفاوض، وهو ما لا تزال السلطة اللبنانية ترفضه، نظرًا لما قد يؤدي إليه من خطر اندلاع حرب أهلية، مكتفيةً بقرارات معلّقة التنفيذ. ورغم كل ما سبق، لم تتراجع إيران عن ربط وقف الحرب في لبنان بمسار تفاوضها مع الولايات المتحدة. بل تشير المعلومات إلى أنها واصلت، ولو جزئيًا، إغلاق مضيق هرمز للضغط باتجاه وقف إطلاق نار شامل قبل الشروع في المفاوضات.

في هذا السياق، يبدو طبيعيًا ألا تتأثر إيران بقرارات الحكومة اللبنانية أو تصريحات مسؤوليها، ولا يُتوقع أن ينعكس ذلك على موقفها من وقف إطلاق النار، خصوصًا أن حليفها، حزب الله، هو الطرف الأساسي المنخرط في هذه الحرب. لذلك، وبغض النظر عن دقة الروايات حول ما حدث وما لم يحدث، يتضح حتى الآن أن ميزان القوى لم يسمح لإيران بفرض وقف إطلاق النار في لبنان. كما لم تتمكن من تعطيل مسار المفاوضات في باكستان إلى حين تحقيق هذا الهدف. وسواء كان ذلك نتيجة تفاهم مسبق أم لا، فإن المعادلة الراهنة تشير إلى قبول ضمني باستمرار الحرب في لبنان، مقابل استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز جزئيًا، من دون أن يؤدي ذلك إلى عرقلة مسار المفاوضات في باكستان. ومع ذلك، فإن العجز عن فرض وقف إطلاق النار قبل انطلاق المفاوضات لا يعني بالضرورة استحالة أن تفضي هذه المفاوضات نفسها إلى تحقيقه؛ إذ يبقى ذلك رهينًا بمسار التفاوض وما يستطيع كل طرف انتزاعه من مكاسب.

في المقابل، يتصاعد خطاب لدى شريحة من مؤيدي الحزب في لبنان يُحمّل السلطة اللبنانية مسؤولية عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار، مستندًا إلى مواقفها وتصريحاتها. لا شك أن استمرار الحرب خارج إطار أي وقف لإطلاق النار يولّد غضبًا وخيبة أمل وشعورًا بالظلم، غير أن توجيه هذا الغضب نحو السلطة السياسية — التي، كما أشرنا، لا تملك تأثيرًا فعليًا على ما يمكن أن تحققه إيران في مفاوضاتها — ينطوي على مخاطر جدية، قد تفضي إلى تصادم داخلي. ويبدو أن الجسم السياسي للحزب أكثر إدراكًا لهذه المخاطر من قاعدته الشعبية الغاضبة.

ومن الطبيعي، في مختلف البلدان، أن تستفيد قوى صغيرة، سياسيًا وشعبيًا، من موجات الغضب الشعبي عبر توجيهها ضد السلطة القائمة بهدف تحقيق مكاسب سياسية. وقد شهدت أوروبا مرارًا صعود أحزاب جديدة مستفيدة من هذا المناخ. غير أن الفارق في الحالة اللبنانية يتمثل في أن هذا التوجيه للغضب لا يصدر عن قوى سياسية تطرح مشاريع واضحة وتسعى للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، بل يبدو أقرب إلى تحركات ذات طابع تصادمي، قد تميل إلى فرض نفسها بقوة الشارع، وإن كانت لا تزال محدودة حتى الآن.

في الختام، يبقى على الغاضبين — وأنا منهم — أن ينتبهوا كيف في أي وجهة يتم استغلال غضبهم، وأن يستحضروا قول الإمام علي عليه السلام: "سبب العطب طاعة الغضب". فبدل أن يتحول الغضب إلى أداة هدم موجّهة نحو أشخاص، يمكن أن يكون طاقة دافعة نحو التفكير العميق، والبحث عن حلول متوازنة وخارج الصندوق للمحنة المستمرة منذ سنتين و نصف، بهدف عودة الأمن والأمان

Comments

Popular posts from this blog

مستقبل الجنوب بين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة

جنوب لبنان: منطقة استراتيجية أم حياة؟

كيف نردع اسرائيل؟